الشوكاني
466
فتح القدير
أثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة ، وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة الاخضرار مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره ، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل ، والرفع هنا متعين لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى نفى الاخضرار ، والمقصود إثباته . قال ابن عطية : هذا لا يكون : يعنى الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة . والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار النبات فيها كما في قوله " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت " والمراد بقوله ( إن الله لطيف ) أنه يصل علمه إلى كل دقيق وجليل ، وقيل لطيف بأرزاق عباده ، وقيل لطيف باستخراج النبات ، ومعنى ( خبير ) أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم ، وقيل خبير بما ينطوون عليه من القنوط عند تأخير المطر ، وقيل خبير بحاجتهم وفاقتهم ( له ما في السماوات وما في الأرض ) خلقا وملكا وتصرفا وكلهم محتاجون إلى رزقه ( وإن الله لهو الغنى ) فلا يحتاج إلى شئ ( الحميد ) المستوجب للحمد في كل حال ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ) هذه نعمة أخرى ذكرها الله سبحانه ، فأخبر عباده بأنه سخر لهم ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار وجعله لمنافعهم ( والفلك ) عطف على ما ، أو على اسم أن : أي وسخر لكم الفلك في حال جريها في البحر ، وقرأ عبد الرحمن الأعرج " والفلك " بالرفع على الابتداء وما بعده خبره ، وقرأ الباقون بالنصب . ومعنى ( تجرى في البحر بأمره ) أي بتقديره ، والجملة في محل نصب على الحال على قراءة الجمهور ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض ) أي كراهة أن تقع ، وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك ، والجملة معطوفة على تجرى ( إلا بأذنه ) أي بإرادته ومشيئته ، وذلك يوم القيامة ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) أي كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده وهيأ لهم أسباب المعاش ، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم تفضلا منه على عباده وإنعاما عليهم . ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى فقال ( وهو الذي أحياكم ) بعد أن كنتم جمادا ( ثم يميتكم ) عند انقضاء أعماركم ( ثم يحييكم ) عند البعث للحساب والعقاب ( وإن الإنسان لكفور ) أي كثير الجحود لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة ، ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد ، لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة . وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من مات مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر ، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين ، واقرأوا إن شئتم - والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا - ) إلى قوله ( حليم ) " وإسناد ابن أبي حاتم هكذا : حدثنا المسيب ابن واضح ، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن عبد الكريم بن الحرث عن أبي عقبة ، يعني أبا عبيدة ابن عقبة قال : قال شرحبيل بن السمط : طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم ، فمر بي سلمان : يعني الفارسي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان برودس ، فمروا بجنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى ، فمال الناس عن القتيل ، فقال فضالة : مالي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا ؟ فقالوا : هذا القتيل في سبيل الله ، فقال : والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ) الآية . وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا : حدثنا أبو زرعة عن زيد بن بشر أخبرني ضمام أنه سمع أبا قبيل وربيعة ابن سيف المغافري يقولان : كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره . قلت : ويؤيد هذا قول الله سبحانه : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله " ومن عاقب بمثل ما عوقب به " قال : إن النبي صلى